منذ عام 2011، عاشت ليبيا في قلب عاصفة من الصراعات المسلحة والحروب الأهلية التي مزّقت البلاد وأهلها، واتُكئ خلالها على التوظيف القبلي والمناطقي والجهوي لتغذية هذه النزاعات الدامية التي استمرت لسنوات.

ومع تصاعد حدة الصراع، انقسمت ليبيا إلى معسكرين متضادين، شرقي وغربي، ولم يعد يجمعهما شيء سوى لغة السلاح والدماء، حتى أفرج الله عليهم عام 2020، وتوصلا لتسويات سياسية وعسكرية مبدئية، خفتت بموجبها أصوات المدافع والصواريخ. adfadf

لكن الدماء التي سُفكت تحت الرايات السياسية والأطياف القبلية وإثارة النعرات بين المعسكرين الشرقي والغربي، ظلّت تطرح سؤالا حول قدرة أبناء البلد الواحد على التعافي الحقيقي منها.

فالحرب التي تنهيها جرة قلم في مؤتمر دولي، لا يُمكن حسب اعتقادنا أن تصلح الأوجاع والآلام والمآسي التي أكلت حيوات الناس وعقولهم على مدار عقد كامل من الزمان.

وما لبث الليبيون أن استشعروا ذلك الهدوء النسبي والاستراحة القصيرة من القتل والدمار، حتى واجهت مدينة درنة الواقعة في الشرق الليبي فيضانات جارفة تسببت في دمار هائل، لم تتمكن أي جهة حتى الآن من تقدير نتائجه الكارثية بدقة.

وهنا ظهرت صورة فاجأت العالم وصدمته، ذلك العالم المنافق الذي وقف صامتا لا يحرك ساكنا، لإنقاذ الليبيين، فهم غير مهمين في حسابات العالم السياسية الحالية، وليسوا مدرجين ضمن أولوياته التوظيفية، لكن ليست هذه المفاجأة.

فقد تعودنا على هذا العالم الذي يكيل بمكيالين، والنماذج في بلادنا في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان واليمن… صارخة لا يمكن إخفاؤها.

المفاجأة التي أتحدث عنها، كانت ما فعله الليبيون أنفسهم، فقد هبوا هبة رجل واحد، قافزين عن كل الاعتبارات السياسية، وكل الصراعات التي فُرضت عليهم، متناسين أكذوبة المعسكرين المتصدعين، واندفع أبناء الغرب بأموالهم وأرواحهم تجاه الشرق، منقبين عن الناجين بأيديهم، ومقتسمين غذاءهم وماءهم وملبسهم مع أبناء جلدتهم المنكوبين.

ضرب الليبيون مثالا رائعا في الوحدة وحب الأوطان، في لحظةٍ فاجأت العالم بروابط الدم والأخوة التي تجمع أبناء ليبيا على الرغم من النزاعات السابقة، وفي هذا اللحظة ظهر معنى الأوطان بوضوح.

ظهرت القوة التي تمكن الناس من تجاوز الصراعات والانقسامات والوقوف معا في وجه المصاعب، إنها القوة التي تجعل الأفراد يتحدون للمساهمة في إعادة بناء وطنهم وإسناد مجتمعهم في أوقات الضيق.

كان للكارثة وجهٌ آخر، وجهُ الشعور العميق بالانتماء والالتزام نحو الوطن والولاء له، والمشاعر تجاه الأرض والثقافة والتاريخ والهوية الوطنية.

ما شاهدناه جميعا يفتح نافذة أمل كبيرة على المستقبل، ويُمثل خطوة مهمة نحو السلام والاستقرار في ليبيا، فهذه الروح والبناء عليها وتعزيز التفاهم المتبادل بين الليبيين سيكون أمرا حاسما لبناء مستقبل أفضل للبلاد.

في النهاية، يجب أن نتذكر دائما أننا جميعا نحمل نفس الهموم وننتمي لذات الأرض والوطن، وعندما نتحد معا في مواجهة التحديات، يمكننا تحقيق المستحيل، وتجاوز المؤامرات والنزاعات والصراعات، فالأنموذج الليبي يؤكد لنا في كل مكان، أن دواء مشكلاتنا العربية يكمن بأيدينا فقط، وأنه ليس لنا سوى بعضنا، وأن الارتهان للخارج أو السماح له بالتغلغل بيننا، سيظل الداء الذي لا دواء له.

Comment

Phasellus ac consequat turpis, sit amet.Please Required fields mark *